ابن كثير

193

البداية والنهاية

رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق ، حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه واعزاز الاسلام وأهله [ وإذلال الشرك وأهله ] . فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدثه أن أباه كعبا حدثه - وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها - . قال : خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ، ومعنا البراء بن معرور ( 1 ) سيدنا وكبيرنا ، فلما وجهنا لسفرنا ، وخرجنا من المدينة ، قال البراء : يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوا فقونني عليه أم لا ؟ قلنا وما ذاك ؟ قال : قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها . قال : فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن خالفه . فقال : إني لمصل إليها ، قال فقلنا له : لكنا لا نفعل . قال : فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة . [ قال : وقد كنا قد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك . فلما قدمنا مكة ] قال لي يا ابن أخي ، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فإنه قد وقع في نفسي منه شئ . لما رأيت من خلافكم إياي فيه . قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تعرفانه ؟ فقلنا لا ، فقال هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قال : قلنا نعم ! وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا ، قال : فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس ، قال : فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه ، فسلمنا ثم جلسنا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ " قال : نعم ، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر ؟ قال : نعم ! فقال له البراء بن معرور : يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام ، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شئ فماذا ترى ؟ قال : " قد كنت على قبلة لو صبرت عليها " قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام ، قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم . قال كعب بن مالك : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ، سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ،

--> ( 1 ) البراء بن معرور : يكنى أبا بشر ، وهو أحد النقباء الاثني عشر من الأنصار ، وهو أول من تكلم من النقباء ليلة العقبة حين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعون . أوصى بثلث ماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث شاء ، مات وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر ، قال الواقدي : كان أول من مات من النقباء ( الطبقات 3 / 618 ) .